هَوَسُ الْمِثَالِيَّةِ
هَوَسُ الْمِثَالِيَّةِ حَالَةٌ نَفْسِيَّةٌ يَعِيشُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ دُونَ أَنْ يَنْتَبِهُوا إِلَيْهَا، وَهِيَ أَشْبَهُ بِفَخٍّ دَاخِلِيٍّ يُقَيِّدُ صَاحِبَهُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ يَبْدُو لِلْعَيْنِ الْخَارِجِيَّةِ كَأَنَّهُ دَافِعٌ قَوِيٌّ نَحْوَ النَّجَاحِ.
الْفِكْرَةُ الْأَسَاسِيَّةُ عِنْدَ الْمُهَوَّسِ بِالْمِثَالِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا بِالنَّتِيجَةِ الْكَامِلَةِ، وَلَا يَرْضَى عَنْ نَفْسِهِ إِلَّا إِذَا بَلَغَ أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي كُلِّ أَمْرٍ. وَقَدْ يُعْطِيهِ هَذَا الْإِحْسَاسُ فِي الْبِدَايَةِ طَاقَةً عَلَى الْإِنْجَازِ، وَلَكِنَّهُ مَعَ الْوَقْتِ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَصْدَرِ ضَغْطٍ شَدِيدٍ يَسْتَنْزِفُ أَعْصَابَهُ وَيُضْعِفُ رَاحَتَهُ النَّفْسِيَّةَ وَيُعَكِّرُ عِلَاقَاتِهِ مَعَ الْآخَرِينَ.
فَهَلْ يَكْمُنُ وَرَاءَ هَذِهِ النَّزْعَةِ خَوْفٌ مِنَ الْفَشَلِ أَوْ مِنَ النَّقْدِ؟ وَمَا أَسْبَابُ نُشُوءِ هَوَسِ الْمِثَالِيَّةِ فِي النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ؟ وَكَيْفَ يُؤَثِّرُ عَلَى الدِّرَاسَةِ وَالْعَمَلِ وَالْعَلَاقَاتِ
مِنَ النَّاحِيَةِ النَّفْسِيَّةِ، يَرْتَبِطُ هَوَسُ الْمِثَالِيَّةِ فِي الْغَالِبِ بِالْخَوْفِ مِنَ الْفَشَلِ أَوْ مِنَ النَّقْدِ. فَالْإِنْسَانُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْكَمَالِ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ فِكْرَةً تُلِحُّ عَلَيْهِ: "قِيمَتِي تَعْتَمِدُ عَلَى إِنْجَازِي" أَوْ "إِنْ لَمْ أَكُنْ الْأَفْضَلَ فَأَنَا لَا أُسَاوِي شَيْئًا". وَقَدْ تَنْشَأُ هَذِهِ الْفِكْرَةُ مِنْ تَرْبِيَةٍ صَارِمَةٍ، أَوْ مِنِ التَّعَرُّضِ لِلنَّقْدِ الْقَاسِي فِي الطُّفُولَةِ، أَوْ بِسَبَبِ الْمُقَارَنَةِ الدَّائِمَةِ بِالْإِخْوَةِ وَالزُّمَلَاءِ. وَمَعَ الْوَقْتِ يَتَرَسَّخُ هَذَا الِاعْتِقَادُ فِي الْعَقْلِ الْبَاطِنِ، فَيُصْبِحُ الْمَرْءُ يَرْبِطُ قِيمَتَهُ الذَّاتِيَّةَ بِمَا يُنْجِزُهُ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَتَقَبَّلَ نَفْسَهُ كَمَا هِيَ.
وَفِي مَيْدَانِ الدِّرَاسَةِ – مَثَلًا – يُحَمِّلُ الْمُثَالِيُّ نَفْسَهُ أَعْبَاءً فَادِحَةً، فَيَقْضِي سَاعَاتٍ طَوِيلَةً يُرَاجِعُ وَيُعِيدُ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَامِلٌ. وَقَدْ يَتَأَخَّرُ فِي تَسْلِيمِ الْوَاجِبَاتِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ "جَيِّدَةً" فَقَطْ، بَلْ يُرِيدُهَا "مِثَالِيَّةً"، وَرُبَّمَا لَا يُسَلِّمُهَا أَصْلًا مَخَافَةَ أَنْ تَكُونَ نَاقِصَةً. وَفِي مَيْدَانِ الْمَظْهَرِ، يَقِفُ طَوِيلًا أَمَامَ الْمِرْآةِ يُدَقِّقُ فِي كُلِّ جُزْئِيَّةٍ صَغِيرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ رِضًى تَامًّا شَعَرَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَوْ أَدْنَى مِنَ الْآخَرِينَ. وَكَذَا فِي الْعَمَلِ، يَسْتَنْزِفُ وَقْتَهُ وَطَاقَتَهُ فِي التَّفَاصِيلِ الثَّانَوِيَّةِ، وَيُهْمِلُ الْأُسُسَ الْجَوْهَرِيَّةَ.
وَلَيْسَ الضَّرَرُ نَفْسِيًّا فَقَطْ، بَلْ جَسَدِيًّا أَيْضًا. فَقَدْ أَظْهَرَتِ الدِّرَاسَاتُ أَنَّ هَوَسَ الْمِثَالِيَّةِ يَقْتَرِنُ بِارْتِفَاعِ مُسْتَوَيَاتِ الْقَلَقِ وَالتَّوَتُّرِ الْمُزْمِنِ، مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى الدِّمَاغِ بِزِيَادَةِ إِفْرَازِ هُرْمُونَاتِ الضَّغْطِ مِثْلَ "الْكُورْتِيزُولِ". وَمَعَ الْوَقْتِ يَعْتَادُ الدِّمَاغُ عَلَى حَالَةِ التَّوَتُّرِ الْمُسْتَمِرِّ، فَيَضْعُفُ التَّرْكِيزُ، وَتَقِلُّ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ، وَكَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعِيشُ دَائِمًا فِي حَالَةِ طُوَارِئَ بَاطِنِيَّةٍ.
وَتَتَأَثَّرُ الْعَلَاقَاتُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ أَيْضًا بِصُورَةٍ جَسِيمَةٍ. فَالْمُهَوَّسُ بِالْمِثَالِيَّةِ قَدْ يُصْبِحُ نَاقِدًا مُفْرِطًا لِلْآخَرِينَ، إِذْ يَرَاهُم بِعُيُونِ الْمَعَايِيرِ الْقَاسِيَةِ الَّتِي يُطَبِّقُهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا مَا يُسَبِّبُ لَهُ مَشَاكِلَ مَعَ الْأَصْدِقَاءِ وَالشَّرِيكِ وَفِي مَجَالِ الْعَمَلِ، لِأَنَّهُ يَبْدُو دَائِمًا غَيْرَ رَاضٍ أَوْ مُتَطَلِّبًا بِشِدَّةٍ. وَقَدْ يَلْجَأُ أَحْيَانًا إِلَى الْعُزْلَةِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ أَوْ خَطَأٍ، فَيَغْرُبُ عَنْ غَيْرِهِمْ شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَمَعَ جَمِيعِ هَذِهِ الْجَوَانِبِ السَّلْبِيَّةِ، فَإِنَّ الْأَمْرَ لَا يَعْنِي أَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّغْيِيرِ. فَالتَّخَلُّصُ مِنْ هَوَسِ الْمِثَالِيَّةِ يَحْتَاجُ أَوَّلًا إِلَى وَعْيٍ: أَنْ يُدْرِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّ الْكَمَالَ وَهْمٌ، وَأَنَّ السَّعْيَ وَرَاءَهُ لَا نِهَايَةَ لَهُ. ثُمَّ يَتَدَرَّبَ عَلَى قَبُولِ "الْإِنْجَازِ الْجَيِّدِ" بَدَلَ الِانْتِظَارِ لِلْكَمَالِ، وَأَنْ يَحْتَفِلَ بِخُطُوَاتِهِ الصَّغِيرَةِ وَيَعْتَبِرَهَا نَجَاحًا. كَمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَّبِعَ اسْتِرَاتِيجِيَّاتٍ عَمَلِيَّةً كَتَجْزِئَةِ الْمَهَامِّ الْكَبِيرَةِ إِلَى خُطُوَاتٍ بَسِيطَةٍ، وَتَحْدِيدِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ لِكُلِّ عَمَلٍ بَدَلَ الِانْغِمَاسِ فِي التَّفَاصِيلِ دُونَ نِهَايَةٍ. وَعَلَى الصَّعِيدِ النَّفْسِيِّ، يَلْزَمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْإِنْسَانُ اللُّطْفَ مَعَ ذَاتِهِ، فَيُعَامِلَهَا كَمَا يُعَامِلُ صَدِيقًا عَزِيزًا: يَغْفِرُ لَهَا زَلَّاتِهَا، وَلَا يُجْلِدُهَا بِاسْتِمْرَارٍ.
وَفِي الْخِتَامِ، فَإِنَّ الْمِثَالِيَّةَ فِي حُدُودِهَا الْمَعْقُولَةِ قَدْ تَكُونُ قُوَّةً تَدْفَعُ الْإِنْسَانَ نَحْوَ النَّجَاحِ، وَلَكِنَّهَا إِذَا تَحَوَّلَتْ إِلَى هَوَسٍ أَصْبَحَتْ عَائِقًا يَسْلُبُهُ السَّعَادَةَ وَيَحْرِمُهُ مِنَ التَّوَازُنِ. فَالْحَيَاةُ لَيْسَتْ سِبَاقًا نَحْوَ الْكَمَالِ، بَلْ رِحْلَةً مُمْتَلِئَةً بِالنَّقْصِ وَالتَّجَارِبِ وَالتَّعَلُّمِ. وَالْفَوْزُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ فِي أَنْ نَكُونَ كَامِلِينَ، بَلْ فِي أَنْ نَكُونَ قَادِرِينَ عَلَى التَّطَوُّرِ خُطْوَةً فَخُطْوَةً، مَعَ تَقَبُّلِ إِنْسَانِيَّتِنَا بِعُيُوبِهَا وَجَمَالِهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ.


شدني إنك حاطه الحركات للكلام
حقيقي هيا اكسسورات اللغة للعربية
قَد لامسَني حقًا المقَال كَوني وَاحدةً من الذِين يُعَانون من هَوس المثَاليَّة ، وصَفٌ دقَيق لكلّ ما يُمرُّ بهِ المَرء في هذهِ الحَالة ،.. بُوركتِ