ما الذي يحدث في السودان؟
عند تصفحكم للسوشل ميديا لابد أن صادفتم صور أو مقاطع فيديو للشعب السوداني و هم يعذبون لكن الأغلبية منكم لا يعرف الصورة الكاملة للأحداث الجارية.
قضية السودان قديمة ومعقّدة، ورغم أن الاهتمام العالمي بها ازداد مؤخرًا بسبب الأحداث في المنطقة، إلا أن ما يظهر في وسائل التواصل الاجتماعي لا يعكس الصورة الكاملة. فالمحتوى المنتشر غالبًا ما يُبرز جانبًا واحدًا فقط من المعاناة دون شرح الخلفيات أو الأطراف المتورطة أو العوامل الإقليمية المؤثرة. الأوضاع في السودان أكبر وأعمق مما يبدو، ولذلك من الضروري تقديم شرح شامل لفهم ما يحدث بدقة.
يقع السودان في نقطة مفصلية جعلته منذ قرون محل أطماع قوى خارجية ومسرحاً لصراعات داخلية متتابعة. فهو يمتد بين شمال أفريقيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، ويتحكم في جزء واسع من مجرى نهر النيل. هذا الموقع جعله ممراً للتجارة ومعبراً للهجرة ومفتاحاً استراتيجياً لدول تريد التأثير في شرق أفريقيا والبحر الأحمر. وعلى الرغم من ثرواته الضخمة من الذهب والمعادن والزراعة والثروة الحيوانية،
إلا أن السودان عاش تاريخاً استعمارياً عميق الجذور، ترك وراءه انقسامات اجتماعية وقبلية ومناطقية حادة. هذه الانقسامات، إلى جانب سوء إدارة الثروة داخل الدولة، خلقا تعقيداً سياسياً دائماً، وجعلا السودان دولة تتبدل فيها الولاءات وتتنازع فيها القوى المركزية والأطراف، حتى تحوّل الانقسام الجغرافي والاجتماعي إلى حائط يمنع تشكّل دولة موحدة مستقرة. لقد كان الاستعمار هو من رسم حدود السودان الحديثة بأساليب لم تُراعِ التعدد الثقافي والعرقي، وهو من فتت المجتمعات بين شمال وجنوب وغرب وشرق، وهو ما أدى لاحقاً إلى انفصال جنوب السودان، ثم اندلاع حروب متتابعة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.
ومع تراكم هذه المسارات، أصبح السودان بلداً تتصارع فيه هوية الدولة نفسها، وتتعقّد فيه السياسة بفعل تاريخ طويل من الاضطراب.
ومع تزايد الأزمة الداخلية، حاولت الحكومات السودانية—العسكرية منها والمدنية—صياغة سلسلة من الاصلاحات. لكن جميع تلك الجهود كانت تسقط عند أول مواجهة مع الواقع، لأن السياسة السودانية لم تُبنَ على مؤسسات مستقرة، بل على صفقات قصيرة المدى بين أطراف متصارعة. فالاتفاقيات التي وُقِّعت مع الحركات المسلحة في دارفور مثلاً، لم تُنفذ كما ينبغي، لأن الحكومة كانت تتغير قبل أن تتجذر الإصلاحات.
كما أن المحاولات التي قدمتها حكومة البشير أو بعدها كانت في أغلب الأحيان مترددة، متأثرة بالضغوط الداخلية والخارجية، أو محكومة بتوازنات القوى بين الجيش والمخابرات والحركات المسلحة. هذا الضعف البنيوي جعل السودان يدخل في حلقات دائمة من التفاهمات الهشة: تفاهم ينجح لأسابيع ثم يفشل لأشهر، اتفاق يُوقع و لا يتم تنفيذه، مبادرة دولية تُطرح و يتم تجاهلها.
وبدلاً من بناء دولة موحدة ذات مؤسسات قوية، ظل السودان يدور في فلك إصلاحات غير مستقرة، ووُضعت البلاد بين مطرقة الفوضى وسندان القرارات المرتجلة، ما عمّق التوتر الاجتماعي والسياسي.
كان للحرب الحالية ابعاد تاريخية و سياسية فالحرب التي اندلعت عام 2023 لم تأتِ من فراغ؛ بل جاءت امتداداً لتاريخ معقد من النزاعات بدأ منذ عقود. فالسودان لم يعرف استقراراً حقيقياً منذ استقلاله، وظل الصراع يدور حول السلطة أكثر من دوره حول التنمية أو الاستقرار. ومع تراكم الأخطاء السياسية، وتداخل الأدوار بين الجيش والحركات المسلحة، وتعدد التدخلات الخارجية التي كانت تبحث عن النفوذ والموارد، إندلعت الحرب الحالية كحصيلة طبيعية لمسار طويل من التوتر.
ولأن السودان بلدٌ له أهمية استراتيجية في الإقليم، فقد كان التدخل الخارجي جزءاً من الأزمة، حيث حاولت دول عديدة التأثير في طرفي النزاع للحفاظ على مصالحها في البحر الأحمر والذهب والحدود والهجرة. وهكذا، لم تعد الحرب شأناً سودانياً خالصاً، بل أصبحت ساحة صراع بين قوى داخلية مدعومة من قوى خارجية تبحث عن موطئ قدم في المنطقة.
ماهي قوات الدعم السريع؟
ظهرت قوات الدعم السريع أول الأمر كامتداد لسياسات البشير في مواجهة الحركات المسلحة التي كانت تشتعل في دارفور. كانت الحاجة إلى قوة غير نظامية واضحة: البشير كان يدرك أن الجيش الرسمي قد لا يكون أداة مناسبة لتطبيق سياسة القبضة الأمنية في مناطق التمرد، وأن ولاءات الجيش ليست مضمونة بالكامل. وهكذا، استند إلى مجموعات مسلحة محلية، سرعان ما تطورت إلى تشكيلات أكثر تنظيماً، وأُعطيت صلاحيات ميدانية واسعة. ومن هنا نشأت نواة الدعم السريع، التي كانت في البداية مجرد ميليشيات تُستخدم لمواجهة المتمردين، ثم تحولت بمرور الزمن إلى قوة لها هيكلها القيادي الخاص، ودورها الأمني والعسكري المستقل، بل أصبحت الطرف الأكثر اعتماداً عليه في تنفيذ سياسات النظام. وقد ربطت هذه القوات نفسها بالبشير، لكنها في الحقيقة كانت تبني لنفسها سلطة مستقلة.
تردد البشير في استخدام الجيش لذا لجاءا لقوات بديلة
عندما واجه البشير الموجة الأكبر من الاحتجاجات في 2013 و2018، أدرك أن استخدام الجيش لقمع الشعب سيؤدي إلى انقسام داخلي خطير. فالجيش مؤسسة لها تاريخ وطني طويل، واستخدامها ضد الشعب كان سيخلق حالة من الانشقاقات وربما انقلاباً مبكراً. هذا ما جعل البشير يتجه نحو خيار آخر: الاعتماد على قوات لا تحمل رؤى وطنية أو مؤسسية شبيهة بالجيش، ويمكن استخدامها بلا خوف من تمرد داخلي. وهكذا اكتسبت قوات الدعم السريع دوراً مركزياً في الحفاظ على النظام. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه القوات أكثر نفوذاً، لأنها كانت تُستخدم في مسؤوليات كان يفترض أن يتولاها الجيش، فأصبحت ذو تأثير ضخم، وازدادت ميزانيتها، إضافة إلى نموها السياسي.
تكَوَّنت قوات الدعم السريع من عناصر مختلفة، بعضها من مجموعات قبلية متأثرة بالصراع الأهلي، وبعضها من مقاتلين سابقين في دارفور، إضافة إلى عناصر جرى تجنيدها بطرق واسعة ومفتوحة. وكان هدف هذه التجمعات واحداً: تشكيل قوة ميدانية قادرة على الحسم السريع، وبلا قيود قانونية أو مؤسساتية. ولهذا، كانت هويتها مختلفة تماماً عن هوية الجيش. فالجيش مؤسسة لها تاريخ وتقاليد واضحة، بينما الدعم السريع كان قوة مرتبطة بقائدها ومرتبطة بعلاقات قبلية تجعلها أكثر ولاءً لشخص واحد من ولائها للدولة. هذا التكوين كان هو أساس الأزمة اللاحقة، لأنه خلق جيشين داخل دولة واحدة، أحدهما رسمي والآخر فعلي.
مع تزايد دور الدعم السريع، بدأ النظام في تسليحها بشكل واسع، ما جعل قدرتها على السيطرة في مناطق النزاع أكبر من أي وقت مضى. ومع هذا القوة المتصاعدة، اتُّهمت القوات بارتكاب جرائم واسعة في دارفور، مثل الحرق والقتل والاعتداءات ضد المدنيين. هذه الانتهاكات وثقتها منظمات حقوقية دولية عديدة، وأصبحت جزءاً من الصورة التي ارتبطت بها قوات الدعم السريع في الداخل والخارج.
ولكن المثير أن الحكومة كانت صامتة أمام هذه الانتهاكات، لأن هذه القوات كانت تمثل ذراعها الأقوى في مواجهة المعارضة المسلحة. وهكذا، صارت الجرائم جزءاً من المعادلة السياسية، بينما كانت محاسبة مرتكبيها حلماً بعيد المنال.
صعود حميدتي من 2013 حتى ترسيخ قوته
في هذه المرحلة، بدأ حميدتي يظهر كشخصية محورية. فهو لم يكن مجرد قائد ميداني، بل أصبح مركز قوة يمتلك ولاء آلاف المقاتلين. ومع سيطرته على مناجم الذهب في جبل عامر وغيرها، بدأ يجمع ثروة ضخمة استطاع من خلالها بناء شبكات مالية وميدانية مستقلة. لم يعد حميدتي تابعاً للبشير؛ بل صار لاعباً له نفوذه الخاص. وكانت سنوات 2013–2018 هي سنوات الصعود الحقيقي له، إذ تأسست فيها قوته السياسية والاقتصادية.
بناء جيش خاص عبر الذهب
كانت ثروة الذهب هي الأساس الذي مكن حميدتي من بناء قوة عسكرية مستقلة. فقد استخدم أموال الذهب في دفع رواتب قواته وشراء أسلحة متطورة، وصولاً إلى إنشاء قوة شبه دولة داخل الدولة. ومع تضخم هذه القوة، أصبح حميدتي قادراً على فرض نفسه ليس فقط في دارفور، بل في المشهد السوداني كله. وقد بدأ يظهر كبديل محتمل لسلطة البشير.
حين شعر البشير بأن قوات حميدتي صارت تهدد توازن الجيش، حاول احتواءها بإضفاء الشرعية عليها ودمجها في الدولة تحت اسم “قوات الدعم السريع”. لكن هذا الدمج أعطاها قوة أكبر، لأن الاعتراف الرسمي جعلها جزءاً من المشهد العسكري السوداني، لا مجرد ميليشيا. ومع هذه الخطوة، أصبح السودان يمتلك جيشاً موازيًا بكل معنى الكلمة، له قوانينه الخاصة وقائده الخاص.
كان حمدتي يقول بإتفاقيات سرية مع أوروبا ،وبحسب تقارير عديدة، أقام حميدتي اتصالات سريّة مع أطراف أوروبية تتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية. هذه العلاقات زادت من شرعيته الخارجية، وعززت مكانته باعتباره شريكاً محتملاً في ملفات حساسة. وبذلك، بدأت قوات الدعم السريع تحصل على اعتراف غير مباشر يجعلها قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.
كان لدول الخليج دورا في حرب اليمن ،عندما شارك السودان في حرب اليمن، لم يرسل الجيش وحده، بل كانت قوات الدعم السريع جزءاً أساسياً من المشاركة. هذا الأمر منح حميدتي دعماً مالياً وسياسياً كبيراً من دول الخليج. ومن خلال هذه المشاركة، حصلت قواته على موارد أكبر ودعم لوجستي أوسع، ما جعلها أكثر قدرة على فرض وجودها داخل السودان
ومع توسع الدور الخليجي، أصبح حميدتي شخصية معترفاً بها إقليمياً، وتحوّل الدعم السريع إلى قوة لها وزنها في التوازنات الخليجية. ومع ذلك، فإن القول بأن الخليج “صنع” الدعم السريع ليس دقيقاً. فهذه القوات كانت موجودة من قبل، لكن الدول الإقليمية استثمرت فيها لأنها كانت القوة الأكثر جاهزية وتأثيراً على الأرض.
فشل المرحلة الانتقالية بعد 2019
،بعد سقوط البشير، دخل السودان مرحلة انتقالية حساسة. كان الاتفاق يقضي بأن تتشارك السلطة بين المدنيين والعسكريين، لكن وجود الدعم السريع كقوة مستقلة خلق مشكلة عميقة. فقد رفض حميدتي الالتزام ببعض الاتفاقيات، وظهرت خلافات حول رئاسة المجلس السيادي، وتقسيم السلطة، وإدارة الملفات الأمنية. ومع تنامي هذه الخلافات، بدأت المرحلة الانتقالية تفقد استقرارها.
في هذه الفترة، ظهر جلياً أن السودان لا يمتلك “جيشاً واحداً”، بل جيشاً نظامياً مقابل جيش موازٍ اسمه “الدعم السريع”. وكانت النقطة الجوهرية هي السؤال: هل يتم دمج الدعم السريع في الجيش؟ أم يبقى مستقلاً؟ كان هذا السؤال هو الشرارة التي أدت إلى الحرب. فالجيش يرى أن دمج الدعم السريع ضرورة لبقاء الدولة، بينما يرى حميدتي أنه يجب أن يبقى مستقلاً.
ولأن قوات الدعم السريع كانت مرتبطة ارتباطاً مباشراً بشخص حميدتي، فقد كانت أوامره هي المصدر الوحيد لشرعيتها. ومع اشتداد الخلافات، قررت هذه القوات اتخاذ موقف عسكري مباشر ضد الحكومة، وهو ما اعتبره الجيش “تمرداً”. وهكذا بدأت المواجهة المفتوحة.
ـ نتائج الحرب الحالية
الحرب التي اندلعت في 2023 كانت كارثية. فقد دُمّرت الخرطوم، وتعرضت مدن كبرى لدمار واسع، ونزح ملايين السودانيين. ومع اختلاط القوات المسلحة بقوات الدعم السريع داخل المدن، تدهورت الأوضاع الإنسانية، وانقطعت الخدمات، وتعطلت مؤسسات الدولة. وتحول السودان إلى دولة شبه منهارة، وأصبحت الحرب جزءاً من حياة الناس اليومية.
هناك تحليلات تشير إلى أن بعض الدول الخليجية تسعى إلى رؤية حكومة سودانية حليفة لها، ضمن مشروع إقليمي أكبر يركز على إعادة تشكيل الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بما يخدم رؤيتها السياسية والأمنية. وهذه الرؤية تقوم على أساس أن الاستقرار في السودان مرتبط باستقرار مصالحها الخاصة في البحر الأحمر والذهب والحدود.
تطرح بعض السيناريوهات احتمال أن تستثمر الدول الخليجية في إعادة ترتيب السلطة داخل السودان، إما بدعم البرهان لإنهاء الحرب، أو بدمج قوات الدعم السريع في الجيش، أو حتى بإعادة تشكيل جيش جديد. وتبدو تفضيلات هذه الدول مرتبطة بمصالحها، أي أنها ستدعم الطرف الذي يحقق لها الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي تسعى إليه.
ليس الصراع في السودان مجرد نزاع حول الحكم؛ بل إنه صراع اقتصادي. فالسودان بلد غني بالذهب والأراضي الزراعية والموقع الاستراتيجي. ولهذا، فإن الأطراف المتصارعة تسعى إلى السيطرة على الموارد قبل السيطرة على السلطة. وتتداخل في هذا الصراع استثمارات مصر والخليج وأطراف أخرى، ويميل كل طرف إلى دعم الجهة التي تحقق مصالحه الاقتصادية.
في نهاية الأمر، يبدو أن المصالح السياسية والاقتصادية أصبحت أغلى من حياة السودانيين. فالدول لا تتصارع من أجل السودان، بل من أجل مصالحها فيه. وكل طرف يستثمر في القوة التي تخدم مصالحه، بينما يدفع المواطن الثمن الأكبر: قتلاً وتشريداً وجوعاً وضياعاً. وهكذا أصبح السودان ساحة معركة للمصالح، بينما ضاعت فيه قيمة الإنسان.













كان الله في عوننا ونصرنا على من عادانا
للأسف الشديد /يحزن القلب ما حدث فالسودان نصركم الله على من ظلمكم وعاون في ظلم السودان العظيم وشعبه الابي